محمد أبو زهرة
3986
زهرة التفاسير
وكذلك محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قد بعث بلغة قومه الذين كانت دعوته الأولى بينهم وانبعث نورها منهم ولكنها كانت عامة ، كما قال تعالى عن نبيه : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . . ( 158 ) [ الأعراف ] ، وكما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً . . . ( 28 ) [ سبأ ] ، وكما قال صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت للأحمر والأسود » « 1 » . وكونه بلسان قومه لا يفيد أنه كان للعرب خاصة ، فذلك لما قصته الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الشريفة والوقائع التاريخية الصادقة ، فإن دعوته دخل فيها صهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، ثم سلمان الفارسي ، وذكر صلى اللّه عليه وسلم أن هؤلاء يصورون أجناسهم في الدعوة المحمدية ، ولم يلبث النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن عمّت دعوته الجزيرة العربية أن بعث إلى هرقل ملك الروم ، وإلى كسرى ملك الفرس ، وإلى المقوقس عظيم القبط ، يدعوهم إلى الإسلام ، وهكذا . إذن فالدعوة كانت للناس قاطبة ، ولكنها ككل دعوة حق تبتدئ في أضيق دائرة ، ثم تتسع شيئا فشيئا حتى تصير نورا ساطعا يعم الأكوان ، فابتدأت الدعوة في أسرة الرسول وأصدقائه ثم دعيت عشيرته ، كما قال تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) [ الشعراء ] ، ثم كان الصدع بالدعوة والجهر بها فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) [ الحجر ] ، ثم كانت في القبائل العربية ، ثم تجاوزت ربوع الصحراء العربية إلى أرض كسرى وقيصر وسارت إلى الحبشة بعد أن عمّت ربوع اليمن . وقوله تعالى في مقابل إرسال الرسول عن قومه : لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . ذكر سبحانه أن البيان الأول يكون لقومه ، ثم يكون بعد ذلك لغيرهم .
--> ( 1 ) من حديث ابن عباس ، أخرجه أحمد ، ومن مسند بني هاشم - بداية مسند عبد اللّه بن عباس ( 2606 ) .